لم يكن وصول معاناة عاملات معامل الخياطة بطنجة إلى قبة البرلمان حدثا عابرا بل مؤشرا خطيرا على عمق الاختلالات التي ما تزال تنخر أحد أكثر القطاعات تشغيلا لليد العاملة النسوية الهشة فيديو واحد صادق وبسيط في لغته كان كافيا لكسر جدار الصمت وكشف واقع صادم أجور تقل عن الحد الأدنى القانوني ظروف عمل قاسية وطرد تعسفي كعقاب على الاحتجاج.
القضية لا تتعلق بحالة فردية معزولة بل تعكس نموذجا مقلقا من الممارسات التي تدار في الخفاء داخل بعض وحدات الخياطة حيث تتحول الحاجة إلى العمل إلى أداة للابتزاز ويفرض الصمت مقابل لقمة العيش أن تتقاضى عاملة أجرا لا يتجاوز 1070 درهما شهريا في خرق واضح للقانون فذلك انتهاك صارخ أما أن يتم طردها مباشرة بعد كشفها للحقيقة فذلك ترهيب ممنهج يهدف إلى إسكات كل صوت يفكر في المطالبة بحقه.
الأخطر في هذه القضية ليس فقط حجم الخرق بل تطبيعه داخل قطاع يفترض أنه يخضع لمراقبة دورية من طرف مفتشيات الشغل وهنا يطرح السؤال الجوهري نفسه كيف تمر مثل هذه التجاوزات دون محاسبة؟ وأين كانت آليات المراقبة قبل أن تفضحها كاميرا هاتف؟
وصول الملف إلى البرلمان خطوة إيجابية لكنه يظل غير كاف إذا لم يترجم إلى إجراءات ملموسة تحقيقات جدية ترتيب مسؤوليات وعقوبات رادعة في حق كل من يثبت تورطه في استغلال العمال والعاملات فالقوانين مهما كانت متقدمة تفقد قيمتها إن لم تفعل على أرض الواقع.
إن قطاع الخياطة الذي يسوق كرافعة للتشغيل وجلب الاستثمار لا يمكن أن يستمر على حساب كرامة النساء العاملات فيه الاستثمار الحقيقي يبدأ من احترام الإنسان وليس من خفض كلفة اليد العاملة عبر التحايل على القانون.
اليوم الكرة في ملعب وزارة الشغل ومفتشياتها فإما أن تكون هذه القضية نقطة تحول نحو تطهير القطاع من ممارسات الاستغلال أو مجرد ملف آخر يطوى بعد موجة غضب عابرة وما بين الخيارين تظل عاملات الخياطة بطنجة في انتظار جواب واضح هل يحميهن القانون فعلا أم أن صوتهن لا يسمع إلا حين يعلو في الفضاء الرقمي؟

