كشفت أجواء المجلس الوطني للأصالة والمعاصرة أن الحزب دخل مرحلة سياسية مختلفة، مرحلة لم تعد فيها قيمة الأسماء تقاس فقط بما أضافته إلى المعركة الانتخابية، بل بما تستطيع أن تضيفه إلى الحزب بعد الوصول إلى محطة القرار.
وأبرزت المداخلات والإشادات داخل المجلس حضور فاطمة الزهراء المنصوري في واجهة الخطاب السياسي، بينما أثار الحضور المحدود لفوزي لقجع انتباه عدد من المتابعين، خصوصاً أن الرجل دخل إلى “البام” في لحظة سياسية رافقها الكثير من الرهان والترويج.
وأعاد هذا التباين إلى الواجهة سؤالاً بسيطاً لكنه ثقيل سياسياً: هل تغيّر موقع لقجع بعدما انتهت الانتخابات؟
وحمل دخول لقجع إلى الحزب أكثر من مجرد إضافة اسم جديد إلى المكتب السياسي، فقد جرى تقديمه آنذاك باعتباره شخصية ذات حضور وطني وتجربة في تدبير ملفات كبرى، الأمر الذي جعل البعض يقرأ الخطوة باعتبارها محاولة لتعزيز صورة الحزب واستقطاب أصوات وشرائح خارج قواعده التقليدية.
وذهبت بعض القراءات السياسية إلى اعتبار لقجع ورقة انتخابية ذات وزن، خصوصاً في ظل المنافسة الحادة التي عرفها المشهد السياسي، بينما ربطها آخرون بمحاولة إعادة تشكيل موازين القوى واحتواء عودة خطاب شعبوي كان قد فرض نفسه في مراحل سابقة.
لكن تغيرت قواعد اللعبة بمجرد انتهاء الانتخابات، إذ انتقل الصراع من سؤال الأصوات إلى سؤال النفوذ، ومن البحث عن الوجوه القادرة على التعبئة إلى تحديد من سيملك فعلياً مفاتيح القرار.
وأعاد هذا التحول وضع لقجع أمام امتحان مختلف؛ فالحضور الانتخابي شيء، والحضور داخل ماكينة القرار الحزبي شيء آخر. وما سيحدد موقعه مستقبلاً لن يكون حجم الاهتمام الذي رافق دخوله، وإنما حجم المسؤولية السياسية التي ستُسند إليه.
وأثار غياب أسماء من الذاكرة التاريخية لـ”البام”، وفي مقدمتها إلياس العماري، سؤالاً موازياً حول طبيعة الحزب الذي يتشكل اليوم. فهل يعمل الحزب على طي صفحة مرحلة كاملة، أم أنه يعيد فقط ترتيب أولوياته ووجوهه بما يتناسب مع المرحلة الجديدة؟
وحوّلت واقعة اصطدام لقجع بالزجاج إلى مادة للتأويل والسخرية في بعض الأوساط، لكن الواقعة لا تصلح أساساً لأي استنتاج يتعلق بشخصه أو حالته. ومع ذلك، استغلها البعض كصورة رمزية لطرح سؤال سياسي: هل اصطدم لقجع بحاجز عابر، أم أن المرحلة السياسية الجديدة وضعت أمامه حدوداً لم تكن ظاهرة قبل الانتخابات؟
وأبقت هذه الأسئلة مستقبل الرجل داخل الحزب مفتوحاً على الاحتمالات، لأن السياسة لا تحسمها الانطباعات، وإنما تحسمها المواقع والقرارات والقدرة على التأثير.
وأثبتت التجارب الحزبية أن الشخصيات التي تلمع بقوة في موسم الانتخابات لا تكون بالضرورة هي نفسها التي تتحكم في المرحلة التالية. فبعد إغلاق الصناديق تبدأ عملية أخرى أكثر تعقيداً: إعادة توزيع الأدوار، وتحديد مراكز النفوذ، واختبار قدرة كل اسم على البقاء داخل المعادلة.
ووضعت هذه المرحلة “البام” أمام سؤال لا يمكن الهروب منه: هل استقطب الحزب فوزي لقجع ليكون جزءاً من مشروع سياسي طويل، أم استدعاه في لحظة انتخابية محددة ثم تركته التحولات السياسية أمام مستقبل غير واضح؟
وسيظل الجواب مؤجلاً إلى أن تكشف المرحلة المقبلة من يملك فعلاً مفاتيح القرار، ومن يكتفي بحضور الاسم، ومن يخرج من دائرة الضوء بعدما انتهت المهمة.ففي السياسة، لا يكفي أن تدخل من الباب الكبير… الأهم أن تعرف من سيترك لك الباب مفتوحاً عندما تتغير قواعد اللعبة.

