أثار موقف أحمد الشرعي بشأن ما سماه “خيار الحداثة” نقاشا واسعا تجاوز مضمون الفكرة نفسها ليصل إلى أسئلة أعمق ترتبط بعلاقة الإعلام بالسياسة وحق الناشر في التعبير عن قناعاته، وحدود الاختلاف داخل المجتمع المغربي.
الشرعي اختار أن يعلن موقفه بشكل واضح مقدما الحداثة باعتبارها خيارا سياسيا ومجتمعيا يرتبط من وجهة نظره بتوسيع حضور المرأة في مواقع القرار والدفاع عن الحريات، وتشجيع الانفتاح والتحديث ومثل أي موقف سياسي معلن فإن هذا الطرح يظل قابلا للنقاش والنقد والاختلاف.
المشكلة لا تكمن بالضرورة في أن يكون للناشر موقف بل في كيفية إدارة العلاقة بين هذا الموقف وبين العمل الصحافي فالصحافي والناشر مواطنان لهما قناعاتهما السياسية والفكرية، لكن المؤسسة الإعلامية مطالبة في الوقت نفسه بالتمييز بين الخبر والرأي، وبين التغطية المهنية والموقف السياسي.
وهنا يصبح الوضوح أمرا أساسيا عندما يعلن الناشر موقفه، يعرف القارئ طبيعة المساحة التي يقرأها، ويستطيع أن يناقشها على هذا الأساس. أما الأخبار والتحقيقات والتغطيات، فتبقى مطالبة بالالتزام بالقواعد المهنية، والتحقق من المعطيات، وإتاحة المجال للأطراف المعنية للتعبير عن مواقفها.
وفي المقابل، فإن الاختلاف مع الشرعي لا ينبغي أن يتحول إلى استهداف لشخصه أو محاولة لإسكات صوته. يمكن رفض أفكاره، وانتقاد اختياراته، ومناقشة خلفيات موقفه، بل وحتى مواجهته سياسياً وفكرياً، لكن النقاش يصبح أكثر قيمة عندما ينصب على ما قاله بالفعل، وليس على ما يمكن نسبه إليه.
والحداثة نفسها ليست مفهوماً مغلقاً أو وصفة سياسية جاهزة. فهي موضوع لنقاش طويل حول الدولة والمجتمع والحريات ودور المرأة والتعليم والثقافة والاقتصاد. لذلك فإن الدفاع عنها أو رفضها يحتاج إلى توضيح المقصود بها، والبرامج والسياسات التي يمكن أن تترجمها إلى واقع.
وفي قضية المرأة تحديداً، لا ينبغي اختزال النقاش في شعار انتخابي أو سجال إعلامي. حضور المرأة في مواقع المسؤولية يمكن أن يكون موضوعاً للنقاش من زاوية الكفاءة وتكافؤ الفرص والاستحقاق، بعيداً عن تحويلها إلى مجرد أداة في الصراع السياسي.
كما أن من حق من يختلف مع هذا الطرح أن يقدم تصورا آخر، وأن يشرح أسباب رفضه، وأن يدافع عن رؤيته للمجتمع والدولة. فالمنافسة السياسية لا تقوم على إلغاء الاختلاف، وإنما على قدرة كل طرف على تقديم حججه وإقناع المواطنين بها.
من هذه الزاوية يمكن النظر إلى الجدل الذي أثاره موقف الشرعي باعتباره فرصة لإعادة طرح سؤال مهني وسياسي مهم: هل يستطيع الإعلام أن يجمع بين حق الناشر في إعلان موقفه وبين ضرورة الحفاظ على استقلالية العمل الصحافي؟
الإجابة ليست في منع الناشر من التعبير ولا في منح أي شخصية إعلامية حصانة من النقد، وإنما في احترام الحدود بين الرأي والخبر، وبين الاختلاف السياسي ومحاولة إسكات المختلف.
فمن حق أحمد الشرعي أن يعلن موقفه، ومن حق الآخرين أن يختلفوا معه، ومن حق الجمهور أن يستمع إلى الطرفين ويحكم على الأفكار والحجج.
وفي النهاية لا تقاس قوة النقاش بمدى اتفاق الجميع، بل بقدرة المجتمع على إدارة الاختلاف دون تحويله إلى خصومة تلغي حق الآخر في التعبير.
فالحداثة قبل أن تكون موقفا سياسيا يمكن أن تكون أيضا طريقة في إدارة الاختلاف: أن تقول ما تؤمن به، وأن تسمح لغيرك بأن يقول ما يؤمن به، ثم تترك الحكم للنقاش العام وللمواطني.

