يطرح الغياب المتكرر لبعض رؤساء المقاطعات بطنجة عن اجتماعات اللجان الدائمة التابعة للمجلس الجماعي تساؤلات ملحة حول مدى التزامهم بالمهام الانتدابية الموكولة إليهم، وحول الأثر القانوني والإداري لهذا السلوك الذي قد يُفهم كتخلي ضمني عن الواجب التمثيلي والمؤسساتي.
فالمادة 64 من القانون التنظيمي المتعلق بالجماعات واضحة في هذا الباب، إذ تُجيز للمجلس الجماعي أن يعتبر الغياب غير المبرر والمتكرر موجبًا لطلب عزل العضو المعني، شريطة تحريك مسطرة الشكاية من طرف أحد أعضائه أو من قبل السلطة الوصية.
طنجة، المدينة التي تحظى بمكانة استراتيجية وطنية ودولية، لا تحتمل تعثُّر العمل الجماعي بفعل غيابات غير مبررة أو تهاون في أداء الواجب. إذ تعتبر اجتماعات اللجان الدائمة، من قبيل لجنة المالية، ولجنة التعمير، وغيرها، فضاءً أساسيا للإعداد الجيد للدورات، وفرصة لتدارس القضايا الحيوية التي تمس حياة الساكنة، ناهيك عن دورها الرقابي والاقتراحي.
اللافت أن غياب بعض رؤساء المقاطعات، رغم أهميتهم التنفيذية باعتبارهم يمثلون صلة وصل بين ساكنة المقاطعات والمجلس الجماعي، أصبح يتكرر دون تقديم مبررات واضحة، ما يثير استياء عدد من المستشارين الذين باتوا يعتبرون هذا السلوك استخفافا بالمؤسسات، وربما محاولة للتهرب من المسؤولية السياسية.
وإذا كان القانون قد منح للمجالس وسلطات الرقابة الوسائل لتحريك المسطرة، فإن السؤال الجوهري يظل معلقا: من سيبادر؟ هل يملك أعضاء المجلس الجماعي الجرأة السياسية لتفعيل المقتضيات القانونية، وتقديم طلب عزل من ثبت تقصيره؟ أم أن الحسابات السياسية والتحالفات الهشة ستظل سيفا مصلتا على رقاب كل محاولة لتصحيح الاعوجاج؟ ثم ماذا عن دور والي الجهة كسلطة وصية، ألم يحن الوقت للتدخل الحازم من أجل صيانة هيبة المؤسسات وضمان الحد الأدنى من الانضباط في العمل الجماعي؟
إن مشكل الغيابات، وإن بدا في ظاهره سلوكا شخصيا، إلا أن تداعياته أخطر من ذلك بكثير. فالأمر يتعلق بثقة الناخبين، وبمصداقية العملية الانتخابية، وبصورة المنتخب المحلي في نظر المواطن. فكيف نطلب من المواطن الثقة في المؤسسات، والذين يمثلونه يغيبون عن أداء أبسط واجباتهم؟
أمام هذا الواقع، يبدو أن الكرة في ملعب من تبقى من الغيورين داخل المجلس الجماعي، من أجل تفعيل القانون، وربما بعث رسالة صريحة مفادها أن المسؤولية الانتخابية تكليف لا تشريف، وأن الغياب الممنهج لا يمكن أن يمر دون محاسبة، وإلا فإننا نؤسس لسابقة خطيرة تُكرّس الإفلات من المسؤولية في تدبير الشأن العام.
