تشهد مدن مغربية عديدة ارتفاعا مقلقا في حالات الانتحار خلال السنوات الأخيرة. وتبرز هذه الظاهرة بشكل أكبر داخل فئة الشباب، ما يفتح نقاشا واسعا حول أسبابها العميقة وتداعياتها الاجتماعية والنفسية.
وعاش حي الباركي اليوم حادثا مأساويا بعد وفاة شاب يبلغ 18 سنة. وشكلت هذه الفاجعة صدمة قوية للسكان، كما أعادت النقاش حول السؤال المؤلم: لماذا تتزايد محاولات الانتحار بين شباب المغرب؟
تشير تقارير جمعيات الصحة النفسية إلى ارتفاع الحالات، رغم غياب إحصائيات رسمية حديثة. وتربط هذه الجمعيات الظاهرة باضطرابات نفسية غير مشخصة، وضغوط اجتماعية واقتصادية خانقة، إضافة إلى صعوبات أسرية، وانتشار الإدمان، وشعور شريحة واسعة من الشباب بانعدام الأفق.
ويؤكد مختصون أن الاضطرابات النفسية لدى الشباب تمرّ غالباً في صمت، بسبب غياب الوعي بضرورة طلب العلاج والخوف من الوصم الاجتماعي. هذا الوضع يعمّق هشاشة فئة تعيش أصلاً مرحلة حساسة مليئة بالتغيرات النفسية والسلوكية.
ويشدد خبراء اجتماعيون على أن الانتحار لم يعد حوادث منفصلة، بل ظاهرة تتطلب خطة وطنية متكاملة. ودعوا إلى تعزيز الوعي، ودعم مراكز الاستماع، وتوفير المواكبة النفسية داخل المدارس، إضافة إلى تقوية دور الأسرة في الوقاية والاحتضان والتواصل.
كما دعا المختصون إلى توفير موارد بشرية مؤهلة في المؤسسات التعليمية والصحية، مع تحفيز الجمعيات المتخصصة على إطلاق حملات توعية دائمة موجهة لفئة الشباب.
ورغم تدخل السلطات بعد كل حادث، يرى المهنيون أن المغرب يحتاج إلى الانتقال من ردّ الفعل إلى الوقاية. ويشددون على أهمية إشراك الأسر، والمدارس، والمجتمع المدني، والمؤسسات الصحية في رؤية موحدة تحمي الشباب من السقوط في اليأس.
فاجعة حي الباركي اليوم ليست حادثاً عادياً، بل مؤشر خطير يؤكد أن حماية الصحة النفسية للشباب أولوية وطنية مستعجلة. فالمغرب يعوّل على طاقاته الشابة لبناء المستقبل، ولا يجب أن يخسر المزيد بسبب غياب الوقاية والدعم.

