لم تعد الاحتجاجات العمالية داخل مصنع رونو في طنجة مجرد محطة عابرة في مسار العلاقات المهنية بل تحولت إلى مرآة تعكس تحولا أعمق يطال صناعة السيارات عالميا. فخلف مطالب آنية تتعلق بالأجور وظروف العمل يلوح سؤال أكثر تعقيدا: من يتحمل كلفة التنافسية في عصر الأتمتة؟
على مدى سنوات قدمت طنجة كنموذج ناجح لجذب الاستثمار الصناعي قائم على معادلة واضحة بنية تحتية متطورة حوافز استثمارية ويد عاملة وفيرة وقد مكن هذا النموذج من خلق آلاف مناصب الشغل وتعزيز موقع المغرب في سلاسل القيمة العالمية. غير أن هذه المعادلة نفسها بدأت اليوم تواجه حدودها.
التحول نحو الأتمتة الذي تفرضه المنافسة الدولية المتصاعدة خاصة من المصنعين الآسيويين لم يعد خيارا بل ضرورة بالنسبة لمجموعة Renault Group فالإنتاج لم يعد يقاس فقط بعدد الوحدات بل بسرعة التطوير ودقة التصنيع والقدرة على خفض التكاليف وفي هذا السياق تصبح الآلة أكثر جاذبية من العامل، ليس لأنها “أفضل” بالضرورة بل لأنها أكثر قابلية للتوقع وأقل تكلفة على المدى الطويل.
غير أن هذا التحول يطرح مفارقة لافتة فبينما يتطلب إدماج تقنيات متقدمة رفع مستوى تأهيل الموارد البشرية فإنه يؤدي في الآن ذاته إلى تقليص الحاجة إلى اليد العاملة الكثيفة وهكذا يجد جزء من العمال أنفسهم خارج معادلة الإنتاج ليس بسبب ضعف في الأداء بل نتيجة تغير قواعد اللعبة.
هنا تحديدا يتجلى جوهر التوتر الحالي فالنقابات وعلى رأسها الاتحاد المغربي للشغل لا تعارض التطور التكنولوجي في حد ذاته لكنها ترفض أن يتم هذا الانتقال على حساب الاستقرار المهني في المقابل ترى الإدارة أن الحفاظ على التنافسية يمر حتما عبر إعادة هيكلة الموارد البشرية وتكييفها مع المتطلبات الجديدة.
المشكلة إذن ليست في الأتمتة بحد ذاتها بل في غياب توازن بين منطق السوق ومنطق الحماية الاجتماعية فحين يتم تسريع التحول الصناعي دون مواكبة مؤسساتية كافية من حيث التكوين المستمر وإعادة التأهيل، وضمانات الانتقال تتحول الكلفة الاجتماعية إلى عبء مباشر على العمال والمجتمع المحلي.
ولا تقف تداعيات هذا المسار عند حدود المصنع فشبكة شركات المناولة التي تشكل جزءا أساسيا من المنظومة الصناعية في طنجة قد تجد نفسها مضطرة بدورها إلى تقليص التكاليف ما يعني مزيدا من الضغط على التشغيل وربما اتساع دائرة الهشاشة المهنية.
فالتجارب الدولية تظهر أن الانتقال الصناعي يمكن أن يكون أقل كلفة اجتماعياً، إذا ما تم الاستثمار في الرأسمال البشري بنفس القدر الذي يتم فيه الاستثمار في التكنولوجيا.
غير أن خصوصية الحالة المغربية تكمن في هشاشة التوازنات الاجتماعية، ما يجعل من الضروري إعادة التفكير في “العقد الصناعي الذي ربط لعقود بين الاستثمار والتشغيل.
فالتنافسية لا يجب أن تبنى فقط على خفض التكاليف بل أيضا على ضمان استدامة اجتماعية تحمي الإنسان بقدر ما تطور الآلة.

