يعيش إقليم الناظور مرحلة مفصلية من تاريخه التنموي، في ظل احتضانه لمشروع ميناء الناظور غرب المتوسط، أحد أكبر الأوراش الاستراتيجية بالمملكة، والذي يُرتقب أن يجعل الجهة الشرقية مركزًا لوجستيًا وصناعيًا ذا إشعاع إقليمي ودولي. غير أن هذا الطموح الكبير يصطدم بواقع محلي يتسم ببطء إنجاز المشاريع، وتعقيد المساطر الإدارية، وتراجع وتيرة الاستثمار، الأمر الذي يثير تساؤلات حول مدى استعداد المدينة لمواكبة التحول الاقتصادي المنتظر.
ورغم أن الميناء يحمل آفاقًا واعدة في مجالات التشغيل، وجذب الرساميل، وتعزيز المبادلات التجارية، فإن المواطن لا يزال ينتظر أن تنعكس هذه المشاريع الكبرى على حياته اليومية، من خلال تحسين الخدمات، وتسريع إنجاز البنيات التحتية، وخلق فرص عمل حقيقية، وتبسيط الإجراءات الإدارية التي تشكل، في كثير من الأحيان، عائقًا أمام المبادرات الاستثمارية.
وتبرز البيروقراطية الإدارية كأحد أبرز التحديات التي تواجه التنمية بالإقليم، حيث يؤدي تعدد المتدخلين، وطول آجال دراسة الملفات، وتعقيد مساطر التعمير والعقار، إلى تعطيل عدد من المشاريع وإضعاف جاذبية الناظور للاستثمار، رغم ما تتوفر عليه من مؤهلات استراتيجية.
وفي هذا السياق، يبرز دور عامل الإقليم باعتباره المسؤول عن تنسيق عمل مختلف المصالح اللاممركزة، وتتبع تنفيذ السياسات العمومية، والسهر على إزالة العراقيل التي قد تعيق إنجاز المشاريع. فالقوانين المنظمة للإدارة الترابية تمنحه موقعًا محوريًا في تحقيق الانسجام بين مختلف المتدخلين، بما يضمن تسريع وتيرة الإنجاز وتحسين مناخ الاستثمار.
غير أن تحقيق هذا الهدف لا يمكن أن يعتمد على مؤسسة واحدة، فالتنمية مسؤولية جماعية تتقاسمها السلطة الإقليمية، والجماعات الترابية، والمصالح الخارجية، والمركز الجهوي للاستثمار، والقطاع الخاص، إلى جانب المجتمع المدني. ومن ثم، فإن نجاح أي مشروع استراتيجي يظل رهينًا بمدى قدرة هذه الأطراف على العمل بمنطق الالتقائية والنجاعة.
ومع اقتراب دخول ميناء الناظور غرب المتوسط حيز التشغيل، تزداد الحاجة إلى إدارة أكثر مرونة، ومساطر أكثر بساطة، وآليات أكثر فعالية لتتبع المشاريع، حتى يكون هذا الورش الضخم رافعة حقيقية للتنمية المحلية، وليس مجرد مشروع اقتصادي معزول عن محيطه.
فالرهان اليوم لا يقتصر على تشييد ميناء عالمي، بل يمتد إلى بناء مدينة قادرة على استثمار هذا الإنجاز التاريخي، عبر حكامة ترابية حديثة، وإدارة فعالة، وبنيات تحتية مؤهلة، ومناخ استثماري تنافسي.
ويبقى السؤال المطروح: هل ستنجح مختلف المؤسسات، كل من موقعها واختصاصها، في تحويل الناظور إلى قطب اقتصادي متكامل يواكب دينامية ميناء غرب المتوسط، أم أن تعقيدات الإدارة ستظل عائقًا أمام تحقيق الطفرة التنموية التي ينتظرها السكان والمستثمرون على حد سواء؟

