بقلم الدكتور أيوب بنجبيلي
كاتب عام المركز المغربي للريادة للدراسات والتكوين في العلوم القانونية والقضائية بالرباط
أثارت التصريحات الأخيرة للأمين العام لحزب العدالة والتنمية نقاشاً واسعاً في الأوساط السياسية والإعلامية، بعدما اعتبر عدد من المتابعين أن بعض العبارات المستعملة تجاوزت حدود النقد السياسي المعتاد، ولامست شخصيات من المحيط الملكي، وهو ما أعاد إلى الواجهة النقاش حول طبيعة الخطاب السياسي وحدود المسؤولية التي تقتضيها المكانة الحزبية.
فالعمل السياسي يقوم على الاختلاف والنقد والمساءلة، وهي مبادئ أساسية في أي نظام ديمقراطي، غير أن ممارستها تقتضي، في المقابل، احترام المؤسسات الدستورية والالتزام بالضوابط القانونية والأخلاقية التي تؤطر النقاش العمومي، والابتعاد عن كل خطاب قد يفتح الباب أمام تأويلات تمس بهيبة المؤسسات أو يثير جدلاً بشأن حدود المسؤولية السياسية.
ومن هذا المنطلق، رأى عدد من المعلقين أن اللغة المستعملة في هذه التصريحات لم تكن منسجمة مع تقاليد الممارسة السياسية الرصينة، وأنها تجاوزت مستوى النقاش السياسي الموضوعي، بما قد ينعكس سلباً على جودة الخطاب العمومي، خاصة في مرحلة تتطلب ترسيخ الثقة في المؤسسات وتعزيز النقاش المسؤول.
كما يلاحظ أن هذه التصريحات جاءت في سياق سياسي يتسم بارتفاع منسوب التجاذب مع اقتراب الاستحقاقات الانتخابية، وهو ما دفع بعض المتابعين إلى اعتبارها جزءاً من خطاب سياسي يهدف إلى استقطاب الاهتمام وإثارة النقاش العمومي أكثر من التركيز على تقديم بدائل وبرامج عملية تستجيب لانشغالات المواطنين الاقتصادية والاجتماعية.
ولا خلاف في أن التنافس السياسي يظل حقاً مشروعاً تكفله القواعد الدستورية، غير أن هذا التنافس يكتسب مشروعيته الكاملة عندما يقوم على عرض التصورات والبرامج، واحترام المؤسسات، والالتزام بقواعد المسؤولية السياسية، بعيداً عن كل خطاب قد يثير جدلاً قانونياً أو مؤسساتياً.
إن دولة المؤسسات تقتضي أن تمارس حرية التعبير في إطار المسؤولية، وأن يظل الخطاب السياسي ملتزماً بأحكام الدستور، وقائماً على التمييز بين النقد السياسي المشروع وبين ما قد يُفهم منه المساس بالمؤسسات الدستورية أو التشكيك في أدوارها. كما أن مستشاري جلالة الملك يمارسون مهامهم في إطار الاختصاصات المخولة لهم، ووفق التوجيهات والاختصاصات المحددة داخل البنية الدستورية للمؤسسة الملكية، بما يجعل تقييم أدوارهم جزءاً من نقاش ينبغي أن يظل ملتزماً بالضوابط القانونية والمؤسساتية.
وفي النهاية، فإن قوة الديمقراطية لا تُقاس بحدة الخطاب أو ارتفاع سقف التصريحات، وإنما بقدرة الفاعلين السياسيين على ترسيخ ثقافة الحوار المسؤول، واحترام المؤسسات الدستورية، وتقديم حلول واقعية للتحديات التي تواجه المواطنين، بما يعزز الثقة في العمل السياسي ويخدم المصلحة العليا للوطن.

