بقلم : الدكتور أحمد درداري
أستاذ التعليم العالي في العلوم السياسية بجامعة عبد المالك السعد
أثارت التصريحات الأخيرة للرئيس الجزائري عبد المجيد تبون المتعلقة بالأوضاع في تونس، نقاشًا سياسيا وإعلاميا واسعًا في المنطقة المغاربية، خاصة بعد تأكيده أن أمن تونس يعد جزءا من أمن الجزائر، وتحذيره من أي تهديدات إرهابية قد تستهدف الجارة الشرقية. وقد قرأ عدد من المتابعين هذه التصريحات باعتبارها تعكس رؤية الجزائر للأمن الإقليمي، بينما رأى آخرون أنها تحمل أبعادًا سياسية تتجاوز البعد الأمني المباشر.
ومن منظور تحليلي، يمكن اعتبار هذه التصريحات مؤشرا على حجم التحديات التي تواجهها السياسة الإقليمية الجزائرية في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها المنطقة. فربط أمن تونس بالأمن الجزائري يفتح باب التساؤل حول حدود التعاون الأمني المشروع، ومدى احترام مبدأ السيادة الوطنية للدول، خصوصًا في ظل الجدل المتواصل بشأن طبيعة العلاقات بين الجزائر والسلطات التونسية.
كما أن استخدام الرئيس الجزائري لغة حادة في حديثه عن الإرهاب، متوعدًا كل من يحاول تهديد تونس، عُدّ من قبل بعض المراقبين رسالة ردع موجهة إلى الأطراف التي قد تمثل تهديدًا أمنيًا، في حين اعتبرها آخرون تعبيرًا عن مقاربة أمنية متشددة تعكس تصاعد القلق الرسمي من التطورات الإقليمية.
في المقابل، يرى محللون أن خلفية هذه التصريحات لا تنفصل عن التوازنات الجيوسياسية في المنطقة، وما تشهده من تنافس دبلوماسي بين المغرب والجزائر. ويذهب هذا الرأي إلى أن النجاحات التي حققتها الدبلوماسية المغربية خلال السنوات الأخيرة، سواء من خلال توسيع شبكة الشراكات الدولية أو تعزيز حضورها السياسي والاقتصادي، أسهمت في إعادة تشكيل موازين التأثير داخل الفضاء المغاربي.
وفي هذا السياق، يستحضر عدد من المتابعين الزيارة التي قام بها الملك محمد السادس إلى تونس سنة 2014، والتي اعتُبرت آنذاك رسالة دعم للاستقرار وللاقتصاد التونسي، خاصة في مرحلة كانت البلاد تواجه تحديات أمنية واقتصادية معقدة. كما استُحضرت مواقف مغربية سابقة تؤكد دعم سيادة تونس ووحدتها الترابية، باعتبارها جزءًا من ثوابت السياسة الخارجية المغربية تجاه الدول الشقيقة.
ويرى أصحاب هذه القراءة أن مستقبل المنطقة المغاربية ينبغي أن يقوم على احترام سيادة الدول وعدم توظيف الاعتبارات الأمنية لتوسيع النفوذ السياسي أو التأثير في الخيارات الداخلية للدول. كما يؤكدون أن الاستقرار الحقيقي يتحقق عبر التعاون المتوازن، وتعزيز التنمية الاقتصادية، واحترام الإرادة الوطنية للشعوب، بعيدًا عن منطق الاستقطاب الإقليمي.
ومن جهة أخرى، يربط بعض المحللين بين حدة الخطاب الجزائري والتطورات المرتبطة بملف الصحراء المغربية، وما يشهده من دينامية دبلوماسية واقتصادية متواصلة، إضافة إلى تنامي الشراكات الدولية للمملكة في أقاليمها الجنوبية. ويعتبر هؤلاء أن هذه المتغيرات أصبحت عنصرًا مؤثرًا في طبيعة الخطاب السياسي الإقليمي، وإن كان إثبات وجود علاقة سببية مباشرة بين الأمرين يظل محل نقاش سياسي.
وفي المحصلة، تكشف التصريحات الأخيرة عن استمرار التباين في الرؤى بين الفاعلين الإقليميين بشأن مستقبل المنطقة المغاربية، كما تعكس أهمية تبني خطاب سياسي مسؤول يوازن بين ضرورات الأمن واحترام سيادة الدول، بما يسهم في تعزيز الاستقرار الإقليمي وتغليب منطق الحوار والتعاون على منطق التصعيد والمواجهة.

