دخل القانون الجديد المنظم لمهنة المحاماة بالمغرب حيز التنفيذ رسمياً، اليوم الخميس 20 غشت 2026، عقب نشره في العدد 7536 من الجريدة الرسمية، ليطوي بذلك مرحلة طويلة من النقاش والجدل التي رافقت مساره التشريعي، في وقت لا تزال فيه عدد من الهيئات المهنية تعبر عن رفضها لمجموعة من مقتضياته.
ويأتي نشر القانون بعد قرار المحكمة الدستورية رقم 26/277 م.د الصادر في 10 غشت الجاري، والذي قضت فيه بتعذر البت في الإحالة المتعلقة بالنظر في مدى مطابقة القانون للدستور، قبل استكمال مسطرة اعتماده ونشره بشكل رسمي.
ويقدم النص الجديد إطاراً قانونياً شاملاً لتنظيم مهنة المحاماة، وينسخ القانون رقم 28.08 المتعلق بتعديل القانون المنظم للمهنة، مع الإبقاء على بعض المقتضيات الانتقالية إلى حين استكمال تنزيل المنظومة الجديدة.
ويكرس القانون المحاماة باعتبارها مهنة حرة ومستقلة، تساهم في تحقيق العدالة وضمان المحاكمة العادلة والدفاع عن حقوق الإنسان، مع التأكيد على التزام المحامي بمبادئ الاستقلال والنزاهة والتجرد والكرامة والحفاظ على السر المهني.
ومن أبرز المستجدات التي جاء بها القانون إعادة تنظيم شروط الولوج إلى المهنة، حيث يشترط في المترشح، من بين أمور أخرى، الحصول على شهادة الماستر أو ما يعادلها في العلوم القانونية أو الشريعة، وأن يتراوح سنه بين 21 و45 سنة عند اجتياز مباراة ولوج معهد تكوين المحامين، إضافة إلى استيفاء باقي الشروط القانونية والنجاح في المباراة واستكمال فترة التكوين والتمرين.
وبموجب المقتضيات الجديدة، يخضع الحاصل على شهادة الكفاءة لسنة من التكوين الأساسي بالمعهد، قبل الانتقال إلى مرحلة التمرين التي حُددت في 24 شهراً، منها 20 شهراً بمكتب محامٍ يعينه النقيب وأربعة أشهر للتدريب داخل إدارة أو مؤسسة عمومية أو مقاولة عمومية.
كما أعاد القانون تنظيم طرق ممارسة المهنة، حيث يمكن للمحامي الاشتغال بشكل فردي أو في إطار شراكة أو مساكنة أو شركة مدنية مهنية، مع تحديد ضوابط دقيقة لكل صيغة من صيغ الممارسة.
وشملت المستجدات كذلك تنظيم اختصاصات المحامي، التي تتضمن الترافع والدفاع والتمثيل أمام المحاكم، إلى جانب تقديم الاستشارات القانونية والقيام بالتحكيم والوساطة وبعض المهام الأخرى التي حددها القانون.
وفي الجانب المهني، ألزم القانون المحامين بالتكوين المستمر، وشدد على احترام السر المهني والوقار وعدم الإشهار، كما وضع قواعد أكثر تفصيلاً لتنظيم العلاقة مع الموكلين وتحديد الأتعاب والمساعدة القضائية، إلى جانب إخضاع حسابات وودائع المحامين لضوابط مالية ورقابية محددة.
كما خص القانون حصانة الدفاع بمقتضيات خاصة، من بينها حماية المحامي مما يرد في مرافعاته ومذكراته في إطار ممارسة مهامه، مع وضع إجراءات خاصة في حالات الاعتقال أو الحراسة النظرية عندما تكون الأفعال المرتبطة بها متصلة بالمهنة.
وفي المقابل، أثارت المقتضيات المتعلقة بالتأديب وصلاحيات النيابة العامة جدلاً واسعاً في صفوف المحامين، خصوصاً ما يرتبط بإمكانية تحريك المتابعات التأديبية وطلب التوقيف المؤقت والطعن في بعض القرارات الصادرة عن هيئات المحامين.
كما شكلت شروط الولوج الجديدة، ولا سيما اعتماد شهادة الماستر وتحديد سقف السن، إحدى أبرز نقاط الخلاف، إلى جانب المقتضيات التي تمنع الاتفاق على التوقف الجماعي عن تقديم المساعدة الواجبة تجاه القضاء، وتحظر رفع الشعارات داخل فضاءات المحاكم أثناء انعقاد الجلسات.
وامتد الجدل أيضاً إلى آليات المراقبة المالية، والتكوين المستمر، وتنظيم انتخابات هيئات المحامين، فضلاً عن بعض الشروط الخاصة بالترافع أمام محكمة النقض.
ورغم نشر القانون ودخوله حيز التنفيذ، فإن عدداً من مقتضياته لن يصبح قابلاً للتطبيق فوراً، إذ ربط المشرع دخول بعض المواد حيز التنفيذ بصدور النصوص التنظيمية اللازمة لتطبيقها، كما تضمنت الوثيقة أحكاماً انتقالية لضمان استمرار العمل خلال مرحلة الانتقال من النظام السابق إلى المنظومة الجديدة.
ويشكل دخول القانون حيز التنفيذ محطة جديدة في مسار تنظيم مهنة المحاماة بالمغرب، غير أن تطبيق مقتضياته على أرض الواقع سيظل مرتبطاً بمدى قدرة مختلف الأطراف على تنزيل أحكامه، في ظل استمرار اعتراضات مهنية على عدد من مواده ومطالب بتعديل بعض المقتضيات التي تعتبرها الهيئات المهنية مرتبطة بشكل مباشر باستقلالية المهنة وحصانة الدفاع.

