أعادت دراسة علمية حديثة تسليط الضوء على العلاقة بين التوسع العمراني المتسارع بمدينتي تطوان ومرتيل ومخاطر الفيضانات، في وقت تفرض فيه التقلبات المناخية تحديات متزايدة على التخطيط الحضري وتدبير المناطق المعرضة للأمطار الغزيرة.
وخلال العقدين الماضيين، شهدت المدينتان تحولات عمرانية لافتة، مع توسع الأحياء السكنية وامتداد البناء نحو مناطق كانت في السابق عبارة عن أراضٍ زراعية أو مساحات مفتوحة. ورافق هذا التطور ظهور مرافق وخدمات جديدة، غير أن هذا التوسع يطرح في المقابل تساؤلات حول مدى أخذه بعين الاعتبار للمسارات الطبيعية للمياه ومناطق خطر الفيضانات.
واختارت دراسة حديثة نشرت في Journal of Hydrology حوض وادي مرتيل شمال المغرب مجالا للبحث، بهدف تقييم مخاطر الفيضانات المحتملة في ظل السيناريوهات المطرية القصوى.
واعتمد الباحثون على نماذج هيدرولوجية متقدمة، إلى جانب تقنيات الذكاء الاصطناعي، لمحاكاة عدد من السيناريوهات المتعلقة بالأمطار الشديدة والفيضانات، والعمل على إعداد خرائط أكثر دقة للمناطق التي يمكن أن تتعرض للغمر.
وتكتسي هذه المقاربة أهمية خاصة بالنسبة إلى المناطق الحضرية المحيطة بحوض وادي مرتيل، بالنظر إلى استمرار النمو العمراني وتزايد الحاجة إلى اعتماد معطيات علمية دقيقة عند إعداد مشاريع التهيئة والتوسع الحضري.
وأظهرت نتائج الدراسة أن ارتفاع فترة العودة للفيضانات، خصوصا في السيناريوهات التي تمتد إلى 50 أو 100 سنة، لا يرتبط فقط بارتفاع مستويات المياه.
فالسيناريوهات المطرية القصوى يمكن أن تؤدي أيضا إلى اتساع رقعة المناطق المعرضة للغمر، ما يعني أن مناطق قد تبدو في الظروف العادية بعيدة عن الخطر يمكن أن تدخل ضمن نطاق التأثر خلال حالات التساقطات الاستثنائية.
وهذا المعطى يجعل خرائط المخاطر أداة أساسية في التخطيط الحضري، لأنها تتيح تحديد المناطق التي ينبغي التعامل معها بحذر أكبر عند برمجة مشاريع البناء والبنيات التحتية.
ويطرح التطور العمراني الذي عرفته تطوان ومرتيل خلال السنوات الماضية تحديا إضافيا أمام السلطات والفاعلين في مجال التخطيط، يتمثل في ضرورة تحقيق التوازن بين متطلبات التوسع الحضري والحفاظ على المسارات الطبيعية لتصريف مياه الأمطار.
فمع تغير أنماط التساقطات وظهور حالات جوية أكثر تطرفا، لم يعد الاعتماد على المعطيات التاريخية وحدها كافيا لتقييم المخاطر المستقبلية، وهو ما يفسر تزايد أهمية النماذج الرقمية والذكاء الاصطناعي في دراسة الظواهر الهيدرولوجية.
وتشير نتائج الدراسة إلى أهمية إدماج خرائط مخاطر الفيضانات في القرارات المتعلقة بالتعمير وتحديد مناطق التوسع الحضري، بدل الاقتصار على معالجة آثار الفيضانات بعد وقوعها.
كما يمكن أن تساعد النماذج الهيدرولوجية الحديثة في تحديد المناطق الأكثر هشاشة، وتوجيه الاستثمارات نحو شبكات تصريف المياه والبنيات الوقائية، إلى جانب تحسين أنظمة الإنذار والاستعداد للتعامل مع حالات التساقطات الاستثنائية.
وبالنسبة إلى تطوان ومرتيل وحوض وادي مرتيل عموما، يبرز هذا البحث أهمية الانتقال نحو تخطيط حضري أكثر استباقية، يأخذ في الحسبان ليس فقط حاجيات النمو العمراني، وإنما أيضا السيناريوهات المناخية والفيضانية التي قد تواجه المنطقة مستقبلا.

