لم تعد مشاهد التسول بمدار تريال أطلس بمدينة طنجة مجرد حالات عابرة تستوقف المارة، بل أصبحت تثير مخاوف متزايدة بشأن سلامة الأطفال الموجودين بهذه النقطة الطرقية، وسط مطالب بتدخل السلطات المختصة للتحقق من ظروف وجودهم، والتأكد من عدم تعرضهم لأي شكل من أشكال الاستغلال.
ويعد مدار تريال أطلس من المحاور الطرقية الحيوية بالمدينة، غير أن تكرار مشاهد التسول بالقرب منه، خاصة بمشاركة أطفال صغار، أعاد إلى الواجهة النقاش حول احتمال استغلال القاصرين في جمع الأموال، والجهات التي قد تستفيد من هذه الممارسات، في حال ثبوت وجودها.
وتناقلت تقارير إعلامية معطيات بشأن طفل صغير يترك ممددا على قارعة الطريق بالمدار المذكور، في الوقت الذي تمارس فيه امرأة التسول بالقرب منه، وهي وضعية تستدعي، إن تأكدت ميدانيا، تدخلا عاجلا بالنظر إلى المخاطر المرتبطة بحركة السير والظروف المناخية.
وتتجاوز خطورة هذه المشاهد مسألة إزعاج مستعملي الطريق أو التأثير على حركة المرور، لتطرح قضية أكثر حساسية تتعلق بحماية الطفولة، والتحقق من هوية الأطفال الموجودين بالشارع، وطبيعة صلتهم بالأشخاص المرافقين لهم، فضلا عن البحث في أي شبهة محتملة لاستغلالهم.
وفي هذا السياق، تبرز تساؤلات بشأن ما إذا كانت الحالات المسجلة مرتبطة بالهشاشة الاجتماعية والحاجة إلى المواكبة والمساعدة، أم أن بعض الأطفال قد يكونون ضحايا ممارسات استغلالية تستوجب البحث والتحري. وهي أسئلة لا يمكن حسمها بالانطباعات أو الاتهامات، وإنما من خلال معاينات ميدانية وأبحاث الجهات المختصة.
ولا تقتصر هذه المخاوف على مدار تريال أطلس، إذ سبق أن أثارت مشاهد التسول بعدد من المدارات والشوارع الرئيسية بطنجة انتقادات بسبب وجود أشخاص، بينهم أطفال، بالقرب من السيارات أو وسط حركة المرور، بما يعرض سلامتهم لمخاطر الحوادث.
وتكتسي هذه المسألة أهمية قانونية أيضا، بالنظر إلى توفر المغرب على القانون رقم 27.14 المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر، الذي يجرم صورا من الاستغلال، بما فيها الاستغلال في التسول متى توافرت الأركان القانونية للجريمة، مع إيلاء عناية خاصة لحماية الأطفال.
وأمام هذه المعطيات، تتجه المطالب نحو تدخل منسق للسلطات المحلية والمصالح الأمنية والجهات المعنية بحماية الطفولة، من أجل معاينة الوضعية بالمدار، والتحقق من ظروف وجود القاصرين، وتحديد هوية الأشخاص المرافقين لهم، مع اتخاذ التدابير اللازمة لحمايتهم وتوفير المواكبة الاجتماعية للحالات التي تحتاج إليها.
كما تبرز الحاجة إلى اعتماد مقاربة تتجاوز الحملات الظرفية التي قد تكتفي بإبعاد المتسولين من نقطة إلى أخرى، دون معالجة الأسباب الاجتماعية للظاهرة أو التحقق من وجود ممارسات استغلالية ومساءلة المسؤولين عنها عند ثبوتها.
وتبقى حماية الأطفال الأولوية الأساسية في التعامل مع هذه القضية، من خلال التمييز بين الفقر والهشاشة الاجتماعية اللذين يستوجبان التضامن والدعم، وبين استغلال القاصرين الذي يستدعي ترتيب المسؤوليات القانونية وفق ما تسفر عنه الأبحاث.
وبين مخاوف المواطنين وانتظار تدخل الجهات المختصة، يظل السؤال المطروح بمدار تريال أطلس هو مدى سرعة التحرك للتحقق من وضعية الأطفال الموجودين به، وضمان سلامتهم، قبل أن تتحول المخاطر اليومية التي يواجهونها إلى حادث مأساوي.

