يشهد المغرب اليوم مرحلة مفصلية في مسار إصلاح قطاع الصحة بعد أن أصبح هذا الورش أحد أعمدة النموذج التنموي الجديد وركيزة أساسية لترسيخ العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق المجالية. فالتحولات المتسارعة التي تعرفها البلاد وما أفرزته التوجيهات الملكية من التزامات واضحة تجاه حماية الحق في الصحة جعلت الحاجة ملحة لإعادة بناء منظومة صحية تستجيب لتطلعات المواطن المغربي وتواكب المعايير الدولية.
وتبرز الوثائق الصادرة عن المركز المغربي لريادة الدراسات والتكوين في العلوم القانونية والقضائية، أهمية الانتقال من معالجة الأعطاب التقنية والإدارية داخل القطاع الصحي إلى رؤية أشمل وأكثر عمقا تجعل من المواطن محورا للسياسة الصحية ومن الحكامة الجيدة أساسا لتصريف القرارات والتدبير. فالإصلاح لم يعد يقتصر على سد الخصاص أو تحسين البنيات، بل يتجه نحو صياغة عقد صحي جديد يقوم على الثقة المتبادلة والكرامة الإنسانية وجودة الخدمات.
يستند هذا التوجه إلى مرجعيات دستورية واضحة، خاصة ما يتعلق بالحق في الولوج إلى خدمات صحية عالية الجودة، وربط المسؤولية بالمحاسبة وتعزيز المساواة وتكافؤ الفرص. كما تستحضر الوثائق الاتفاقيات الدولية والمعايير المعتمدة عالميًا في ضمان خدمات صحية عادلة إنسانية وشفافة تراعي خصوصيات الفئات الهشة والمناطق الأقل استفادة من التنمية.
ويؤكد التقرير أن إعادة هيكلة المرفق الصحي يجب أن تراعي التكامل بين مختلف المتدخلين وإرساء نظام تدبير قائم على الأداء وربط التمويل بجودة الخدمات وتعزيز آليات التقييم وتجويد علاقة المواطن بالإدارة الصحية.
في سياق تعميم الحماية الاجتماعية بالمغرب، يبرز تحدي ملاءمة المنظومة الصحية مع هذا المشروع الوطني الضخم. فالتغطية وحدها غير كافية ما لم ترافقها خدمات صحية تتسم بالجودة والقرب والفعالية. وتؤكد الوثائق على ضرورة تطوير النموذج الصحي المغربي عبر:
-
توفير الموارد البشرية الكافية وتوزيعها بشكل عادل
-
تحسين الحكامة وربط القرارات بالمعطيات الرقمية الحديثة
-
دعم العرض الصحي بالمناطق الجبلية والقروية
-
إرساء شراكة جديدة مع القطاع الخاص تقوم على المسؤولية الاجتماعية
-
تطوير آليات الوقاية بدل الاقتصار على العلاج
يعتمد هذا الورش الوطني على مقاربة تشاركية تشمل المؤسسات المركزية والجهوية والفاعلين الصحيين وخبراء الحكامة العمومية. وهو ما يجعل الإصلاح عملية مستمرة لا تنحصر في ظرف محدد، بل رؤية استراتيجية تستند إلى قيم المساواة والجودة والاستدامة.
وتخلص الوثائق إلى أن المغرب وهو يسير نحو مرحلة جديدة من تعزيز الحقوق الاجتماعية يقف أمام فرصة تاريخية لإحداث تحول عميق في المنظومة الصحية بما يعزز ثقة المواطن، ويحسن جودة الخدمات، ويجعل قطاع الصحة رافعة للتنمية البشرية ومكونا أساسيا في استقرار البلاد وازدهارها.

