عاش ميناء الناظور بني أنصار منذ يومين على وقع ارتباك غير مسبوق، بعد تعطل جهازي المراقبة (السكانير) المخصصين لفحص شاحنات النقل الدولي، وهو ما تسبب في شلل شبه تام في وتيرة العبور وتكدس مئات الشاحنات داخل محيط الميناء، في مشهد أثار استياء المهنيين وطرح تساؤلات حارقة حول جاهزية هذا المرفق الحيوي.
المعطيات الأولية تشير إلى أن العطب بدأ بجهاز واحد قبل أن يلتحق به الثاني في ظرف وجيز، ما اضطر المصالح المختصة إلى اعتماد الفحص اليدوي كحل مؤقت، رغم ما يطرحه ذلك من بطء في الإجراءات وضغط إضافي على الموارد البشرية. غير أن هذا التفسير التقني لم يصمد طويلًا أمام تطورات ميدانية خطيرة زادت من تعقيد الصورة.
فبعد ساعات قليلة فقط من تفجر أزمة تعطل “السكانير”، تدخلت فرقة مشتركة من الجمارك والأمن بشكل استثنائي لإخضاع إحدى شاحنات النقل الدولي لتفتيش دقيق، خارج الإجراءات الروتينية. هذا التدخل أسفر عن حجز كمية ضخمة جدًا من مخدر “الشيرا” كانت مخبأة بإحكام داخل الشاحنة، في عملية تهريب كانت مرشحة للمرور دون رصد لولا هذا التحرك المفاجئ.
هذا التزامن المريب بين تعطيل أجهزة المراقبة ومحاولة تمرير شحنة مخدرات كبيرة فتح الباب أمام فرضيات ثقيلة، لم تعد تقف عند حدود العطب التقني، بل امتدت إلى شبهات تعمد تعطيل النظام من الداخل لتسهيل عمليات التهريب. مصادر متطابقة تحدثت عن إمكانية تورط أطراف محسوبة على محيط المراقبة الجمركية، ما يضع علامات استفهام كبرى حول مستوى الاختراق داخل هذا المعبر الحدودي الحساس.
وفي ظل غياب أي توضيح رسمي إلى حدود الساعة، تتصاعد مخاوف المهنيين من تداعيات هذا الوضع، سواء على مستوى انسيابية حركة النقل الدولي أو على مستوى مصداقية منظومة المراقبة. فحين تتعطل أجهزة الكشف في توقيت حساس، ويتم ضبط شحنة بهذا الحجم بعد تدخل غير اعتيادي، يصبح من الصعب الحديث عن مجرد صدفة تقنية.
ما يجري اليوم بميناء بني أنصار يتجاوز كونه حادثًا عرضيًا، ليطرح إشكالًا أعمق يتعلق بحوكمة المراقبة الجمركية، وضرورة تعزيز آليات الصيانة واليقظة التقنية، والأهم فتح تحقيق شفاف لا يستثني أحدًا لتحديد المسؤوليات.
في المحصلة، هذه الواقعة ليست فقط عملية إحباط تهريب ناجحة، بل جرس إنذار قوي: الخطر قد لا يأتي دائمًا من الخارج، بل أحيانًا من داخل المنظومة نفسها. وبين العطب التقني وشبهة التواطؤ، تبقى الحقيقة الكاملة رهينة تحقيق جاد… لأن الصمت في مثل هذه القضايا لا يُفسَّر إلا بشكل واحد.

