يشكل الموقف الذي عبّر عنه وزير الخارجية الألماني يوهان دافيد فاديفول خلال زيارته إلى الرباط محطة لافتة في مسار تطور المواقف الأوروبية من قضية الصحراء المغربية. فقد أكد المسؤول الألماني دعم بلاده لقرارات مجلس الأمن الدولي، معتبرا أن مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية تمثل الحل الأكثر واقعية لإنهاء نزاع طال أمده لعقود.
هذا التصريح لا يمكن فصله عن السياق الدولي الذي يشهد تحولات متسارعة، حيث تتجه عدة قوى غربية نحو تبني مقاربات براغماتية تقوم على دعم الحلول السياسية القابلة للتطبيق بدل التمسك بخيارات أثبتت محدوديتها. وفي هذا الإطار، يبرز دور المبعوث الأممي ستيفان دي ميستورا في الدفع نحو إحياء المسار التفاوضي، مستفيدا من دعم دولي متزايد لمقترح الحكم الذاتي.
إلى جانب البعد السياسي، تعكس زيارة المسؤول الألماني عمق العلاقات الثنائية بين الرباط وبرلين، والتي باتت تتجاوز الإطار الدبلوماسي التقليدي لتشمل مجالات اقتصادية واستراتيجية واسعة. فالمغرب، بحسب التصريحات الألمانية، يعد شريكا محوريا في القارة الإفريقية، بفضل موقعه الجغرافي واستقراره السياسي، إضافة إلى موارده البشرية المؤهلة التي تستقطب اهتمام الشركات الألمانية.
وتؤكد الأرقام هذا التوجه، إذ تنشط مئات الشركات الألمانية في المغرب، مستفيدة من بيئة استثمارية جاذبة وكفاءات شابة. كما يشكل التعاون في مجالات التكوين المهني وسوق الشغل أحد أبرز أوجه الشراكة، خاصة في ظل حاجة ألمانيا المتزايدة إلى اليد العاملة المؤهلة، وهو ما فتح آفاقا جديدة أمام الكفاءات المغربية للاندماج في الاقتصاد الألماني.
اقتصاديا، تبرز آفاق واعدة للتعاون بين البلدين، خصوصا في قطاع الطاقات المتجددة، حيث يسعى الطرفان إلى تطوير مشاريع مشتركة تستجيب للتحولات العالمية في مجال الطاقة. كما يشكل القطاع الفلاحي مجالا آخر للتعاون، من خلال البحث في سبل تطوير محاصيل قادرة على مواجهة التغيرات المناخية، خاصة في ظل التحديات المرتبطة بندرة المياه.
في المقابل، يظل تعزيز الاستقرار في الأقاليم الجنوبية عاملا حاسما في تشجيع الاستثمارات الأجنبية، وهو ما يفسر تركيز الجانب الألماني على أهمية توضيح الإطار القانوني وتكريس حل سياسي دائم. وفي هذا السياق، يبدو أن دعم الحكم الذاتي لا ينطلق فقط من اعتبارات سياسية، بل يرتبط أيضا برغبة في خلق بيئة مستقرة تتيح توسيع الشراكات الاقتصادية.
وعلى الصعيد الدولي، يلتقي المغرب وألمانيا في عدد من القضايا الاستراتيجية، من بينها دعم النظام متعدد الأطراف وتعزيز دور الأمم المتحدة، إضافة إلى التنسيق في ملفات إقليمية حساسة، مثل الأوضاع في الشرق الأوسط والتوترات المرتبطة بـ إيران، حيث يشدد الجانبان على ضرورة إيجاد حلول دبلوماسية تضمن الأمن والاستقرار.
في المحصلة، يعكس الموقف الألماني تحولا تدريجيا نحو تبني مقاربة واقعية في التعاطي مع نزاع الصحراء، تقوم على دعم حل سياسي عملي يحظى بقبول دولي، مع ربط ذلك بتعزيز الشراكات الاقتصادية والاستراتيجية مع المغرب. وهو ما يكرس موقع الرباط كفاعل إقليمي رئيسي وشريك موثوق في محيطه المتوسطي والإفريقي.

