ثمة لحظة يسقط فيها الخبر، وتبدأ الأخلاق. لكن يبدو أن بعض الصفحات لم تعد تميز بين الصحافة والاستعراض، ولا بين حق المواطن في المعرفة وحق الضحية في الكرامة.
الجريمة التي هزت مدينة وجدة ليست مسابقة في السبق الرقمي، وليست فرصة لرفع نسب التفاعل. إنها مأساة إنسانية حقيقية، خلفها أسرة مكلومة، وأطفال قد يكبرون وهم يشاهدون، كلما فتحوا هواتفهم، اللحظات الأخيرة لوالدتهم تتكرر أمام أعينهم. أي قسوة هذه؟ وأي ضمير يقبل أن تتحول المأساة إلى مادة للاستهلاك اليومي؟
المؤسف أن بعض الصفحات اختارت الطريق الأسهل: نشر الفيديو الصادم، ثم الاحتماء بعبارة “ننقل الواقع كما هو”. والحقيقة أن نقل الواقع لا يعني تعرية الضحايا من كرامتهم، ولا تحويل الدماء إلى وسيلة لزيادة المشاهدات. فالصحافة لا تُقاس بما تُظهره من مشاهد قاسية، بل بما تحترمه من قيم ومبادئ.
لقد أصبح البعض يتعامل مع المآسي بمنطق السوق: كلما ارتفعت درجة الصدمة، ارتفع عدد النقرات، وكلما زاد الألم، زادت الأرباح والشهرة. إنها معادلة خطيرة، لأنها تقتل الضحية مرتين؛ مرة على يد الجاني، ومرة على يد من يصر على إعادة نشر لحظة موتها بلا رحمة ولا مسؤولية.
إن حرمة الإنسان لا تنتهي بوفاته، بل تصبح أكثر وجوبًا. ومن واجب الإعلام والصفحات الإخبارية أن تنقل الوقائع، وأن تطرح الأسئلة الكبرى حول أسباب الجريمة وسبل الوقاية منها، لا أن تجعل من الجسد الممدد على الأرض مادة للفرجة.
المجتمعات لا تُقاس بعدد هواتفها الذكية، بل بقدرتها على حماية كرامة الإنسان في أضعف لحظاته. والإعلام لا يفقد رسالته عندما يمتنع عن نشر المشاهد الدموية، بل يستعيدها.
لذلك، فإن المسؤولية اليوم لا تقع على عاتق الصفحات وحدها، بل أيضًا على كل من يعيد النشر أو يشارك تلك المقاطع. فكل مشاركة تمنح هذا المحتوى حياة جديدة، وكل مشاهدة تعني أن الألم يتجدد في بيت فقد عزيزًا.
فلنرفض جميعًا ثقافة الاتجار بالمآسي، ولنجعل من صفحاتنا فضاءً للإخبار المسؤول، لا سوقًا لبيع الصدمة. فالخبر يُنقل بالكلمة والصورة المحترمة، أما الدم فليس محتوى، والكرامة ليست خيارًا.
رحم الله الفقيدة، وألهم أهلها وذويها جميل الصبر والسلوان، وحفظ الله مجتمعنا من كل ما يمس أمنه وإنسانيته.

