تستعيد مدينة أصيلة، مع انطلاق فعاليات موسمها الثقافي، تقليدها السنوي في تزيين أسوار المدينة العتيقة بجداريات فنية جديدة، في تجربة أصبحت إحدى أبرز علامات الفن العمومي بالمغرب، وموعدا يجمع فنانين تشكيليين من داخل المملكة وخارجها، إلى جانب أطفال وشباب المدينة.
وتندرج هذه المبادرة ضمن ورش صباغة الجداريات الذي يواكب موسم أصيلة الثقافي منذ سنة 1978، في إطار مشروع ثقافي حمل شعار “الثقافة والفن في خدمة التنمية”، وأسسه الراحلان محمد بن عيسى ومحمد المليحي، بهدف جعل الفن جزءا من الفضاء العام وتعزيز الذائقة الجمالية لدى مختلف فئات المجتمع.
وتشارك في الدورة الحالية، التي تنظمها مؤسسة منتدى أصيلة، مجموعة من الفنانين والفنانات القادمين من المغرب وسوريا وإسبانيا وبلجيكا، حيث يلتقي فنانون من الأجيال المؤسسة للتجربة مع أسماء شابة، في حوار بصري يعكس تنوع المدارس الفنية والثقافات.
وأكد حاتم البطيوي، الأمين العام لمؤسسة منتدى أصيلة، أن جداريات المدينة تجاوزت كونها أعمالا تزيينية لتصبح أحد أبرز مكونات الهوية البصرية لأصيلة، مشيرا إلى أنها تجسد علاقة متجددة بين الفن والمجتمع، من خلال نقل الإبداع من قاعات العرض إلى الشارع، ليصبح متاحا أمام السكان والزوار على حد سواء.
وأضاف أن المدينة لم تكتف باحتضان الأعمال الفنية، بل تحولت هي نفسها إلى موضوع للإبداع، إذ تضيف كل جدارية بعدا جديدا لذاكرتها البصرية، التي تراكمت على امتداد ما يقارب نصف قرن، لتجعل من أصيلة متحفا مفتوحا على السماء، ورمزا للفن العمومي في المغرب.
ولا تقتصر آثار هذه التجربة على الجانب الجمالي، بل تمتد إلى ترسيخ قيم المحافظة على الفضاء العام وتعزيز الوعي البيئي والمواطنة، خاصة لدى الأطفال والشباب الذين اعتادوا رؤية الفن جزءا من حياتهم اليومية، وهو ما ساهم في بناء ثقافة تحترم المجال الحضري وتعتبر صيانته مسؤولية جماعية.
وبفضل استمراريتها وتجددها السنوي، نجحت تجربة جداريات أصيلة في ترسيخ مكانتها كواحدة من أقدم وأبرز مبادرات الفن العمومي في العالم العربي وإفريقيا، محافظة على روحها التأسيسية، ومنفتحة في الوقت نفسه على تجارب فنية جديدة، بما يجعلها نموذجا يجمع بين الإبداع والتنمية الثقافية.

