تشكل تكاليف المعيشة أحد أبرز التحديات التي تواجه الأسر المغربية خاصة في المدن الكبرى التي تشهد ارتفاعا مستمرا في أسعار السكن، والنقل، والمواد الغذائية، والخدمات الأساسية.
وفي ظل هذه الضغوط، تشير تقديرات ودراسات إلى أن بعض الأسر تخصص أكثر من 70% من دخلها الشهري لتغطية نفقات المعيشة، ما يترك هامشًا محدودًا للادخار أو مواجهة النفقات الطارئة.
وتعكس الحسابات الجهوية لسنة 2024 الصادرة عن المندوبية السامية للتخطيط هذا الواقع من خلال استمرار التفاوتات في مستويات الإنفاق بين جهات المملكة. فقد بلغ إجمالي نفقات الاستهلاك النهائي للأسر 944.1 مليار درهم، فيما استحوذت خمس جهات فقط على 74.4% من إجمالي الإنفاق الوطني، وهي الدار البيضاء-سطات، والرباط-سلا-القنيطرة، وطنجة-تطوان-الحسيمة، وفاس-مكناس، ومراكش-آسفي.
وتصدرت جهة الدار البيضاء-سطات قائمة الجهات من حيث إجمالي الإنفاق بحصة بلغت 25.3%، وهو ما يرتبط بثقلها الاقتصادي والديموغرافي، وبارتفاع تكاليف العيش فيها مقارنة بعدد من الجهات الأخرى. كما جاءت الرباط-سلا-القنيطرة في المرتبة الثانية بنسبة 14.8%، تلتها طنجة-تطوان-الحسيمة بـ11.6%.
أما على مستوى الإنفاق الفردي، فقد سجل المتوسط الوطني 25,664 درهمًا سنويًا للفرد، بينما تصدرت جهة الداخلة-وادي الذهب بمتوسط 34,515 درهمًا، تلتها الدار البيضاء-سطات بـ31,173 درهمًا، ثم جهة الشرق والرباط-سلا-القنيطرة وطنجة-تطوان-الحسيمة، وهو ما يعكس اختلاف أنماط الاستهلاك ومستويات الأسعار والأنشطة الاقتصادية بين الجهات.
كما أظهرت بيانات المندوبية اتساع الفوارق الجهوية خلال سنة 2024، إذ ارتفع متوسط الفرق المطلق في إجمالي إنفاق الأسر بين الجهات من 48.5 مليار درهم سنة 2023 إلى 51.5 مليار درهم، في حين ارتفع الفارق في الإنفاق الفردي من 3,423 درهمًا إلى 3,609 دراهم، بما يعكس استمرار تمركز النشاط الاقتصادي والإنفاق في الجهات الأكثر دينامية.
ويرى خبراء الاقتصاد أن ارتفاع نسبة ما تنفقه بعض الأسر على احتياجاتها الأساسية يقلص قدرتها على الادخار والاستثمار في التعليم أو الصحة أو تحسين مستوى المعيشة، كما يجعلها أكثر عرضة للتأثر بأي ارتفاع جديد في الأسعار أو انخفاض في الدخل. ويؤكدون أن تقليص الفوارق الجهوية وتحسين القدرة الشرائية يظلان من أبرز التحديات المطروحة لتحقيق تنمية أكثر توازنًا بين مختلف مناطق المملكة.
ورغم أن ارتفاع الإنفاق قد يرتبط أحيانًا بتحسن مستويات الدخل، فإنه قد يعكس أيضًا زيادة تكاليف المعيشة، وهو ما يستدعي قراءة هذه المؤشرات في سياقها الاقتصادي والاجتماعي بعيدا عن اعتبارها مؤشرًا مباشرًا على مستوى الرفاه أو جودة الحياة

