مع التسارع الكبير الذي يشهده الاقتصاد الرقمي والسباق العالمي نحو تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، أصبحت البنية التحتية الرقمية إحدى ركائز التنافس الاقتصادي، وفي مقدمتها مراكز البيانات التي تتطلب إمكانات تقنية وطاقية وبيئية متقدمة.
وفي هذا السياق، تبرز مدينة طنجة ضمن المناطق المغربية التي تتوفر على مؤهلات يمكن أن تجعلها قطباً واعداً لاستضافة مراكز البيانات، وفق نتائج دراسة علمية حديثة اعتمدت مقاربة متعددة المعايير لتقييم مدى ملاءمة مختلف جهات المملكة لاحتضان هذه المنشآت.
وأجرت الدراسة، التي أنجزها الباحث آية الله بورمدان ونشرت حديثاً، تقييماً يأخذ بعين الاعتبار مجموعة من العوامل المرتبطة باختيار المواقع المناسبة لإنشاء مراكز البيانات.
ولا يقتصر هذا الاختيار، بحسب الدراسة، على توفر العقار أو الإمكانات المرتبطة بالطاقة الشمسية والريحية، وإنما يشمل أيضاً جودة الاتصال بالإنترنت، وموثوقية شبكة الكهرباء، وتوفر الموارد المائية، والظروف المناخية، فضلاً عن القدرة على مواجهة المخاطر الطبيعية.
وتكتسي هذه المعايير أهمية متزايدة في ظل ارتفاع الطلب العالمي على مراكز البيانات نتيجة توسع الخدمات السحابية وتطبيقات الذكاء الاصطناعي ومعالجة البيانات الضخمة.
تستهلك مراكز البيانات كميات كبيرة من الكهرباء بسبب تشغيل آلاف الخوادم والمعدات التقنية على مدار الساعة، ما يجعل استقرار شبكة الطاقة عاملاً أساسياً في اختيار مواقعها.
كما تحتاج هذه المنشآت إلى أنظمة تبريد مستمرة للحفاظ على درجات حرارة مناسبة للخوادم والمعدات الإلكترونية.
وتشير الدراسة إلى أن المناطق التي تتميز بمناخ أكثر اعتدالاً يمكن أن تكون أكثر كفاءة من الناحية الطاقية، حتى إذا كانت لا تسجل أعلى مستويات الإشعاع الشمسي أو الرياح.
فالارتفاع الكبير في درجات الحرارة يؤدي إلى زيادة الحاجة إلى أنظمة التبريد، وبالتالي ارتفاع استهلاك الطاقة والتكاليف التشغيلية.
وتكتسب طنجة أهمية خاصة في هذا السياق بفضل مجموعة من العوامل التي تتجاوز مسألة إنتاج الطاقة المتجددة.
فالمدينة تتمتع بموقع استراتيجي عند ملتقى البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، كما تشكل إحدى أهم بوابات المغرب نحو أوروبا، وهو ما يعزز أهمية بنيتها التحتية للاتصالات والنقل واللوجستيك.
كما أن ارتباط طنجة بشبكات اقتصادية وصناعية واسعة، إلى جانب تطور بنيتها التحتية، يمكن أن يوفر بيئة مناسبة للاستثمارات المرتبطة بالاقتصاد الرقمي ومراكز البيانات.
ويأتي الاهتمام بمراكز البيانات في وقت يشهد فيه العالم توسعاً غير مسبوق في استخدام الذكاء الاصطناعي، الذي يعتمد على قدرات حوسبة ضخمة لتدريب وتشغيل النماذج الرقمية.
ويعني ذلك أن الدول والمدن التي تتوفر على بنية تحتية قادرة على استضافة هذه المنشآت قد تحصل مستقبلاً على فرص استثمارية مهمة، سواء في مجال الخدمات السحابية أو الاتصالات أو الأمن السيبراني أو معالجة البيانات.
لكن استقطاب هذه الاستثمارات يتطلب، في المقابل، تحقيق توازن بين متطلبات النمو الرقمي والضغط الذي يمكن أن تفرضه مراكز البيانات على الكهرباء والمياه والبيئة.
وتبرز الدراسة أن اختيار مواقع مراكز البيانات ينبغي أن يقوم على رؤية شاملة، لأن توفر الطاقة المتجددة وحده لا يكفي لضمان نجاح المشروع.
فالمنشأة تحتاج إلى كهرباء مستقرة على مدار الساعة، وأنظمة تخزين فعالة، واتصال رقمي سريع وموثوق، فضلاً عن موارد مائية كافية وحلول مستدامة للتبريد.
كما يتعين أخذ المخاطر الطبيعية والتغيرات المناخية بعين الاعتبار عند تحديد المواقع المناسبة، بما يضمن قدرة المنشآت على الاستمرار في العمل خلال الظروف الاستثنائية.
وبذلك، لا تبدو المنافسة المستقبلية بين المدن المغربية مرتبطة فقط بمن يستطيع إنتاج أكبر قدر من الطاقة، وإنما بمن يستطيع توفير منظومة متكاملة تجمع بين الطاقة الموثوقة، والاتصال الرقمي، والمناخ الملائم، والاستدامة والقدرة على الصمود.
وفي هذا الإطار، تملك طنجة مجموعة من المؤهلات التي يمكن أن تدعم تحولها إلى قطب تكنولوجي للمغرب، خصوصاً مع استمرار توسع الاقتصاد الرقمي وارتفاع الحاجة إلى بنية تحتية قادرة على مواكبة عصر الذكاء الاصطناعي.

