لم يعد التحول الرقمي خياراً ثانوياً بالنسبة للمقاولات المغربية، في ظل تسارع المنافسة وتغير متطلبات الأسواق، خصوصاً مع تنامي الحاجة إلى أنظمة أكثر كفاءة في الإنتاج والتتبع وإدارة البيانات وتحسين جودة الخدمات. غير أن استخدام البرمجيات والأدوات الرقمية لا يعني بالضرورة أن المقاولة دخلت فعلياً مرحلة التحول الرقمي.
وفي هذا السياق، سلطت دراسة علمية حديثة، نشرت سنة 2026، الضوء على مستوى النضج الرقمي للمقاولات المغربية، من خلال الانتقال من قياس مجرد استعمال التكنولوجيا إلى تقييم مدى قدرتها على تغيير أساليب العمل واتخاذ القرار وتدبير العمليات.
وشملت الدراسة مقاولات تنتمي إلى مختلف جهات المملكة، حيث مثلت جهة طنجة-تطوان-الحسيمة نحو 13.1 في المائة من العينة المدروسة، ما يعكس أهمية النسيج الاقتصادي للجهة في النقاش المرتبط بمستقبل التحول الرقمي بالمغرب.
وتكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة بالنسبة إلى جهة الشمال، التي تضم عدداً من القطاعات الصناعية والخدماتية واللوجستية، إلى جانب مناطق صناعية ومراكز اقتصادية مرتبطة بشكل وثيق بالأسواق الوطنية والدولية.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن عدداً مهماً من المقاولات المغربية يوجد في مرحلة انتقالية؛ إذ أصبحت تعتمد على برامج معلوماتية وأدوات رقمية في بعض أنشطتها، لكنها لم تنتقل بعد إلى مستوى التحول الرقمي الشامل.
ويختلف المفهومان بشكل جوهري. فالرقمنة قد تقتصر على تحويل بعض الإجراءات التقليدية إلى عمليات إلكترونية، أو اعتماد برامج لتدبير الحسابات والمخزون والموارد البشرية.
أما التحول الرقمي فيتطلب تغييراً أوسع في طريقة اشتغال المقاولة، بما يشمل اتخاذ القرار، وتدبير العمليات، وسلاسل التوريد، والعلاقة مع الزبائن، وتحليل البيانات.
وتبرز الدراسة وجود علاقة بين ارتفاع مستوى النضج الرقمي وقدرة المقاولات على مواجهة الاضطرابات وتحسين أدائها.
فالمقاولة التي تتوفر على أنظمة رقمية مترابطة وقادرة على تحليل البيانات واتخاذ قرارات أكثر سرعة، تكون في وضع أفضل للتعامل مع التغيرات التي قد تواجهها الأسواق وسلاسل الإمداد.
في المقابل، تظل المقاولات التي توجد في المراحل الأولى من التحول الرقمي أقل قدرة على الاستفادة الكاملة من الإمكانات التي توفرها التكنولوجيا الحديثة.
وتضع هذه النتائج المقاولات بجهة طنجة-تطوان-الحسيمة أمام تحدي تسريع الانتقال من استخدام الأدوات الرقمية بشكل منفصل إلى بناء منظومات رقمية متكاملة.
ولا يرتبط هذا التحول فقط باقتناء برامج وتجهيزات جديدة، وإنما يتطلب أيضاً الاستثمار في الموارد البشرية والتكوين والبيانات والأمن الرقمي، إلى جانب تطوير ثقافة مؤسساتية تشجع على الابتكار واتخاذ القرار اعتماداً على المعطيات.
ومع استمرار توسع الاقتصاد الرقمي ودخول الذكاء الاصطناعي بشكل متزايد إلى مختلف القطاعات، يبدو أن مستقبل تنافسية المقاولات المغربية لن يرتبط فقط بمدى توفرها على التكنولوجيا، وإنما بقدرتها على دمج هذه التكنولوجيا في صميم نموذجها الاقتصادي.
وتكشف الدراسة، في نهاية المطاف، أن الرهان الحقيقي أمام المقاولات المغربية لا يكمن في مجرد امتلاك أدوات رقمية، بل في القدرة على استخدامها لإعادة التفكير في طريقة الإنتاج والتسيير والتواصل مع الزبائن.
وبالنسبة إلى جهة طنجة-تطوان-الحسيمة، التي تمثل أحد الأقطاب الاقتصادية والصناعية المهمة بالمغرب، فإن رفع مستوى النضج الرقمي للمقاولات يمكن أن يشكل عاملاً إضافياً لتعزيز تنافسيتها، خصوصاً في ظل ارتباط جزء مهم من اقتصادها بالأسواق الخارجية وسلاسل القيمة الدولية.
الخلاصة: التحول الرقمي الحقيقي لا يبدأ بشراء برنامج جديد، بل عندما تصبح التكنولوجيا جزءاً من طريقة تفكير المقاولة واتخاذ قراراتها وإدارة مواردها وعلاقتها بالسوق.

