مع مرور ستة أشهر على دخول نظام العقوبات البديلة حيز التنفيذ في المغرب تطرح الحصيلة الأولية عدة تساؤلات حول مدى نجاح هذا الورش الإصلاحي في تحقيق الأهداف التي رسمت له وعلى رأسها تخفيف الاكتظاظ داخل المؤسسات السجنية وتحديث السياسة العقابية.
الأرقام الرسمية تكشف أن عدد الأحكام بالعقوبات البديلة بلغ 1392 حكما خلال الفترة الممتدة من 22 غشت 2025 إلى 11 فبراير 2026 في حين لم يتجاوز عدد المقررات المنفذة 838، ما أسفر عن الإفراج عن 782 معتقلا.
ورغم أن هذه الأرقام تعكس بداية تفاعل القضاء مع هذا المستجد التشريعي، إلا أنها تظل محدودة مقارنة بحجم التطلعات، خاصة في ظل استمرار ارتفاع عدد السجناء الذي تجاوز 95 ألفا.
ويرى مختصون في القانون الجنائي أن هذه الحصيلة تعكس نوعا من “التحفظ القضائي” في اعتماد العقوبات البديلة، حيث لا تزال المقاربة الزجرية التقليدية مهيمنة على الممارسة القضائية.
كما يبرز ضعف الإقبال على هذه الآليات مقارنة بالعقوبات السالبة للحرية ما يؤشر على أن التحول نحو سياسة عقابية أكثر مرونة لم يترسخ بعد بالشكل الكافي.
من جهة أخرى تطرح مسألة التنفيذ إشكالا حقيقيا إذ يظهر وجود فجوة واضحة بين عدد الأحكام الصادرة وتلك التي تم تنفيذها فعليا هذا المعطى يثير تساؤلات حول جاهزية المنظومة المكلفة بتنزيل هذه العقوبات، سواء من حيث الموارد البشرية أو البنية التحتية أو آليات التتبع والمراقبة.
وفي السياق ذاته، يظل تأثير العقوبات البديلة على ظاهرة الاكتظاظ السجني محدودًا، حيث لم ترقَ نتائجها إلى مستوى الرهانات التي صاحبت اعتمادها. فرغم مساهمتها في الإفراج عن عدد من المعتقلين، إلا أن هذا الأثر يبقى نسبيًا وغير كافٍ لإحداث تحول بنيوي في وضعية السجون.
أما على مستوى بعض الآليات، وعلى رأسها المراقبة الإلكترونية، فتبدو الأرقام أكثر تواضعًا، إذ لم تُسجل سوى 15 عقوبة من هذا النوع، ما يجعلها الحلقة الأضعف ضمن المنظومة الجديدة.
ويعزى ذلك إلى عدة عوامل، منها الكلفة التقنية، وضعف الجاهزية اللوجستية، إضافة إلى محدودية الوعي المجتمعي بطبيعة هذه العقوبات.
كما أن تسجيل حالات إخلال بتنفيذ العقوبات البديلة يسلط الضوء على أهمية المواكبة والتتبع إذ لا يكفي إصدار الحكم في حد ذاته، بل يتطلب الأمر منظومة متكاملة تضمن احترامه وتفعيله على أرض الواقع.
في المحصلة لا يمكن الجزم بفشل تجربة العقوبات البديلة في المغرب بقدر ما يمكن وصفها بأنها في مرحلة “الانطلاقة البطيئة”.
فهي تجربة واعدة من حيث التصور، لكنها لا تزال تصطدم بتحديات التنفيذ والتحفظ القضائي وضعف الإمكانيات.
وبين الطموح التشريعي والواقع العملي، يبقى نجاح هذا الورش رهينًا بتعزيز التنسيق بين المتدخلين، وتوفير الإمكانيات اللازمة، وترسيخ ثقافة قضائية جديدة تؤمن بفعالية هذه البدائل في تحقيق العدالة وإعادة الإدماج

