مع اقتراب كل استحقاق انتخابي، يعود سؤال قديم إلى واجهة النقاش السياسي بمدينة أصيلة: لماذا تحضر المدينة بقوة في صناديق الاقتراع، بينما يظل حضور أبنائها محدوداً في مواقع القرار وقيادة اللوائح الانتخابية؟
فعلى مستوى الدائرة الإقليمية طنجة-أصيلة، تتنافس الأحزاب السياسية على خمسة مقاعد برلمانية، غير أن المشهد الانتخابي غالباً ما يطرح مفارقة لافتة بالنسبة لمدينة أصيلة، التي تمتلك رصيداً انتخابياً مهماً، لكنها لا تظهر دائماً بالوزن نفسه عند تشكيل اللوائح واختيار الأسماء التي تتصدر المنافسة.
يرى عدد من المتتبعين للشأن السياسي المحلي أن أبناء أصيلة يجدون أنفسهم، في مناسبات انتخابية مختلفة، في مواقع أقل تأثيراً داخل اللوائح، بينما تذهب المراتب المتقدمة إلى أسماء مرتبطة بمدينة طنجة.
ويطرح هذا الواقع سؤالاً حول مدى قدرة المدينة على تحويل وزنها الانتخابي إلى قوة تفاوضية وسياسية داخل الأحزاب، خصوصاً أن أصيلة تشارك في صناعة النتائج الانتخابية، بينما يظل النقاش قائماً حول حجم حضور أبنائها في مواقع الترشح المؤثرة.
وتزداد حدة هذا النقاش عندما تتمكن بعض الأحزاب من الحصول على آلاف الأصوات داخل المدينة، في حين يرى منتقدون أن الحضور السياسي والتواصلي لا يكون دائماً بالمستوى نفسه خلال الولاية الانتدابية.
وبالنسبة إلى هؤلاء، لا ينبغي أن يقتصر التواصل السياسي على الحملات الانتخابية، بل يفترض أن يستمر طوال مدة الولاية، من خلال تتبع ملفات المدينة والدفاع عن مطالب سكانها داخل المؤسسات المنتخبة.
غير أن تحميل الأحزاب وحدها مسؤولية هذا الوضع قد يكون قراءة ناقصة للمشهد.
فأصيلة تواجه، بدورها، تحدياً يرتبط بقدرتها على إنتاج نخب سياسية محلية قادرة على بناء حضور مستمر داخل التنظيمات الحزبية، والتدرج داخل هياكلها، ثم فرض نفسها كأسماء قادرة على قيادة اللوائح والمنافسة على مواقع القرار.
فالترشح في المراتب الأولى لا يرتبط فقط بالانتماء الجغرافي، وإنما يتأثر أيضاً بعوامل تنظيمية وانتخابية وشخصية، من بينها قوة التنظيم المحلي، والحضور داخل الحزب، والقدرة على بناء شبكة انتخابية، والرصيد السياسي والشعبي للمرشح.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي قد لا يكون فقط: لماذا لا تتصدر أسماء من أصيلة اللوائح الانتخابية؟ بل أيضاً: هل تمتلك المدينة اليوم نخبة سياسية منظمة وقادرة على المنافسة داخل الأحزاب نفسها؟
وتبرز إشكالية أخرى مرتبطة بطبيعة العلاقة بين المنتخبين والساكنة.
ففي نظر منتقدين، يضعف التواصل مع المواطنين خلال فترات ما بين الانتخابات، قبل أن يستعيد زخمه مع اقتراب موعد الاقتراع، وهو ما يساهم في تكريس صورة انتخابية تقوم على الوعود الموسمية بدل العمل السياسي المستمر.
لكن بناء تمثيلية سياسية قوية يحتاج إلى تراكم طويل، يبدأ من العمل المحلي والجمعوي والمدني، ويمر عبر التنظيمات الحزبية والمؤسسات المنتخبة، وصولاً إلى البرلمان.
ومن دون هذا التراكم، يصعب على أي مدينة أن تفرض أسماءها داخل لوائح الأحزاب، حتى وإن كانت تتوفر على كتلة انتخابية قادرة على التأثير في النتائج.
ومع اقتراب الاستحقاقات المقبلة، تبدو أصيلة أمام فرصة لإعادة طرح سؤال التمثيلية السياسية بشكل أكثر جدية.
فالمدينة لا تحتاج فقط إلى مرشحين يظهرون خلال الحملات الانتخابية، وإنما إلى نخب محلية قادرة على الاشتغال على ملفاتها بشكل مستمر، وبناء علاقات قوية داخل الأحزاب، وتحويل مطالب الساكنة إلى قضايا مؤسساتية وبرلمانية قابلة للتتبع والمساءلة.
وفي المقابل، تتحمل الأحزاب مسؤولية منح الكفاءات المحلية مساحة أكبر للمشاركة والتنافس، وعدم اختزال المدن والأحياء في مجرد خزانات انتخابية تستعاد أهميتها مع كل موعد اقتراع.
وفي النهاية، فإن قوة أصيلة السياسية لن تقاس فقط بعدد الأصوات التي تمنحها لهذا الحزب أو ذاك، بل بقدرتها على تحويل هذا الوزن الانتخابي إلى تمثيلية سياسية مؤثرة، ونخب قادرة على الدفاع عن مصالح المدينة داخل المؤسسات وخارج مواسم الانتخابات.

