في كل موسم صيفي تتعالى الأصوات المطالبة بتحسين الخدمات وتأهيل الشواطئ وتوفير مرافق عمومية تحفظ كرامة المصطافين وتليق بصورة المنطقة. وحين تُنجز هذه المشاريع وتُرصد لها الميزانيات وتُوضع رهن إشارة المواطنين، لا يمر وقت طويل حتى تتحول بعض تلك المرافق إلى ضحية للتخريب والعبث والإهمال.
ما تعرضت له المرافق الصحية بشاطئ ميامي في ظرف وجيز من الزمن لا يمكن تبريره بالازدحام أو كثرة الاستعمال، بل يكشف عن سلوكيات مقلقة وعن مستوى متدنٍ من الوعي لدى فئة من المرتادين الذين لا يفرقون بين الحق في الاستفادة من المرفق العمومي وواجب المحافظة عليه.
لقد أصبح من السهل تحميل الجماعات والسلطات والمؤسسات العمومية مسؤولية كل الاختلالات، لكن من يجرؤ على مساءلة المواطن حين يتحول هو نفسه إلى جزء من المشكلة؟ من المسؤول عن تكسير الأبواب والمعدات؟ ومن المسؤول عن تلويث الشاطئ ورمي الأزبال في كل مكان؟ ومن المسؤول عن تحويل فضاءات أُنشئت لخدمة الجميع إلى مرافق مشوهة بعد أسابيع قليلة من افتتاحها؟
المفارقة المؤلمة أن بعض الأشخاص يطالبون بمزيد من المشاريع والخدمات، لكنهم يتعاملون مع ما هو موجود بمنطق الاستهلاك الفوضوي والتخريب المجاني. يريدون شواطئ بمواصفات عالمية، لكنهم يمارسون سلوكيات لا تمت بصلة إلى أبسط قواعد التحضر واحترام الفضاء المشترك.
الحقيقة التي يرفض الكثيرون الاعتراف بها هي أن التنمية لا تُقاس فقط بعدد المشاريع المنجزة، بل أيضاً بمدى قدرة المجتمع على حمايتها. فلا معنى لبناء المرافق إذا كان مصيرها التكسير، ولا جدوى من صرف الأموال العمومية إذا كان البعض يتعامل معها وكأنها ملك لا صاحب له.
إن أخطر ما يواجه شواطئنا اليوم ليس نقص التجهيزات، بل ثقافة اللامبالاة وانعدام الإحساس بالمسؤولية. فالمشكلة ليست في الجدران التي تُكسر أو المرافق التي تُخرب، بل في العقليات التي ما زالت تعتبر المحافظة على الملك العام مسؤولية الآخرين فقط.
لقد آن الأوان للانتقال من خطاب المطالبة بالحقوق إلى ثقافة تحمل الواجبات أيضاً. فالمواطن الذي لا يحافظ على المرفق العمومي يفقد جزءاً من حقه الأخلاقي في انتقاد تدهور الخدمات. كما أن المجتمع الذي يتسامح مع التخريب لا يمكنه أن يشتكي من تراجع جودة الفضاءات العمومية.
شاطئ ميامي يستحق الأفضل، لكن الأفضل لن يتحقق بالمشاريع وحدها، بل عندما يدرك الجميع أن المحافظة على الملك العام ليست فضلاً ولا خياراً، بل واجب حضاري يعكس مستوى وعي المجتمع واحترامه لنفسه قبل أي شيء آخر.


